الفيض الكاشاني

141

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ « 1 » فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون . وفي ( تفسير مولانا العسكري عليه السّلام ) أنّه سئل مولانا الصادق عليه السّلام عن اللّه ، فقال للسائل : « يا عبد اللّه ، هل ركبت سفينة قطّ ؟ قال بلى : قال : فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك ؟ قال : بلى ، قال : فهل تعلّق قلبك هناك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك ؟ قال : بلى ، قال الصادق عليه السّلام : فذلك الشيء هو اللّه القادر على الإنجاء حين لا منجي ، وعلى الإغاثة حين لا مغيث » « 2 » . ولهذا جعلت الناس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة باللّه عزّ وجلّ ، متروكين على ما فطروا عليه ، مرضيّا عنهم بمجرّد الإقرار بالقول ، ولم يكلّفوا الاستدلالات العلمية في ذلك ، وإنّما التعمّق لزيادة البصيرة ولطائفة مخصوصة . وأما الاستدلال فللردّ على أهل الضلال ، والسرّ في خفائه سبحانه مع كمال ظهوره أنّ الأشياء إنّما تستبان بأضدادها ، وما عمّ وجوده حتى لا ضدّ له عسر إدراكه ، مثاله نور الشمس المشرق على الأرض ، فإنّا نعلم أنّه عرض من الأعراض محدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس ، فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها ، لكنّا نظنّ ألا هيئة في الأجسام إلّا ألوانها وهي السواد والبياض وغيرهما ، فإنّا لا نشاهد في الأسود إلّا السواد ، وفي الأبيض إلّا البياض ، فأمّا الضوء فلا ندركه وحده ، لكن لمّا غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركت تفرقة بين الحالتين ، فعلمنا أنّ الأجسام كانت قد استضاءت بضوء ، واتّصفت بصفة فارقتها عند الغروب ، فعرفنا وجود النور بعدمه ، وما كنّا نطّلع عليه لولا عدمه إلّا بعسر شديد ، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور ، هذا مع أنّ النور أظهر المحسوسات ، إذ به يدرك سائر المحسوسات ، فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره ، أنظر كيف تصوّر استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضدّه . فإذن الربّ تعالى هو أظهر الأمور ، وبه ظهرت الأشياء كلّها ، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدّت السماوات والأرض ، وبطل الملك والملكوت ، ولأدركت التفرقة بين الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ، ولكن دلالته عامّة في الأشياء على

--> ( 1 ) . الأنعام 6 : 40 - 41 . ( 2 ) . البحار 3 : 41 / 16 عن تفسير العسكري .